محمد الحميدي

565

جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس

حدّثني أبو محمد عليّ بن أحمد ، قال : حدّثني خلف بن عثمان ، المعروف بابن اللّجّام ، قال : حدّثني يحيى بن هذيل ، أنّ أول تعرّضه للشّعر إنّما كان لأنه حضر جنازة أحمد بن محمد بن عبد ربّه ، قال : وأنا يومئذ في أوان الشّبيبة ، قال : فرأيت فيها من الجمع العظيم ، وتكاثر الناس ، شيئا راعني ، فقلت : لمن هذه الجنازة ؟ فقيل لي : لشاعر البلد ، فوقع في نفسي الرغبة في الشّعر ، واشتغل فكري بذلك ، وانصرفت إلى منزلي ، فلمّا أخذت مضجعي من اللّيل ، أريت كأنّي على باب دار ، فيقال لي : هذه دار الحسن بن هانئ ، فكنت أقرع الباب ، فيخرج إليّ الحسن فيفتح لي الباب ، وينظرني بعين حولاء ثم ينصرف ، قال : فاستيقظت من ساعتي ، وقمت سحرا إلى المفسّر فقصصتها عليه ، فقال : سيكون محلّك من قول الشّعر بمقدار ما كان يتحوّل إليك من عين الحسن . قال لي أبو محمد : مات أبو بكر بن هذيل سنة خمس ، أو ستّ ، وثمانين وثلاث مائة ، وهو ابن ستّ وثمانين « 1 » ، وكان قد بلغ من الأدب والشّعر مبلغا مشهورا . ومن مستحسن شعره [ من الكامل ] : لم يرحلوا إلّا وفوق رحالهم * غيم حكى غبش الظّلام المقبل [ 165 أ ] وعلت مطارفهم مجاجات النّدى * فكأنما مطرت بدرّ مرسل لمّا تحرّكت الحمول تناثرت * من فوقهم في الأرض تحت الأرجل فبكيت لو عرفوا دموعي بينها * لكنّها اختلطت بشكل مشكل وأنشدني له أبو محمد عليّ بن أحمد [ من الخفيف ] :

--> ( 1 ) قال تلميذه ابن الفرضي : « وأخبرني أنه ولد سنة خمس وثلاث مائة ، وكف بصره ، أملى عليّ نسبه ، وتوفي رحمه اللّه ليلة الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة تسع وثمانين وثلاث مائة ، ودفن يوم الأربعاء بعد صلاة العصر في مقبرة متعة » ( تاريخه 2 / 243 ) فهذا أصح ، واللّه أعلم .